كتبت نوال المغربي، كبيرة مراسلي التحقيقات الدولية في اليمن بهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، أن الشبكة التي يُعتقد منذ سنوات أنها تضم سجونًا سرية تديرها الإمارات وقوات حليفة لها في جنوب اليمن خرجت إلى العلن، بعد أن سمحت السلطات اليمنية للصحافيين بدخول مواقع احتجاز أقيمت داخل قواعد عسكرية إماراتية سابقة، في سياق الحرب الأهلية المستمرة منذ نحو عقد.

 

وأوضحت بي بي سي أن فريقها زار موقعين في جنوب البلاد، وشاهد زنازين داخل حاويات شحن ذات تهوية شبه معدومة، إلى جانب غرف احتجاز ضيقة مبنية بالإسمنت والطوب، فيما روى معتقلون سابقون تعرضهم للضرب والاعتداء الجنسي، واحتجاز عشرات الأشخاص في مساحة لا تسمح حتى بالاستلقاء.

 

حاويات سوداء وزنازين انفرادية

 

أفاد التقرير بأن أحد الموقعين احتوى على نحو عشر حاويات شحن طُليت من الداخل باللون الأسود، مع فتحات تهوية محدودة للغاية. وظهرت على الجدران أسماء وتواريخ محفورة، قال معتقلون سابقون إنها توثق أيام احتجازهم أو لحظة وصولهم إلى السجن، وبعض هذه التواريخ يعود إلى ديسمبر 2025.

 

وفي قاعدة عسكرية أخرى، اطّلع الصحافيون على ثماني زنازين مبنية من الإسمنت، من بينها غرف لا تتجاوز مساحتها مترًا مربعًا وبارتفاع يقارب مترين، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني إنها استُخدمت للحبس الانفرادي. وتتقاطع هذه المشاهد مع شهادات وثقتها منظمات حقوقية منذ سنوات حول وجود مرافق احتجاز غير رسمية في المنطقة.

 

محامية حقوق الإنسان اليمنية هدى السراري جمعت على مدار أعوام شهادات لمعتقلين سابقين. وحضر صحافيو بي بي سي لقاءً نظمته، ضم نحو 70 شخصًا قالوا إنهم احتُجزوا في المكلا، إضافة إلى عائلات 30 آخرين يؤكدون أن أقاربهم لا يزالون رهن الاعتقال. وأكد عدد من هؤلاء أن الحاوية الواحدة كانت تضم أحيانًا ما يصل إلى 60 رجلًا.

 

«لا مكان للتمدد».. روايات التعذيب

 

 

قال معتقل سابق إن السجناء أُجبروا على الجلوس طوال الوقت وهم معصوبو الأعين ومقيدو الأيدي، مضيفًا: «لم يكن هناك مجال للاستلقاء. إذا انهار أحد، اضطر الآخرون لإبقائه جالسًا». وروى أنه تعرض للضرب ثلاثة أيام متواصلة بعد اعتقاله، لإجباره على الاعتراف بالانتماء إلى تنظيم القاعدة، وهو اتهام ينفيه.

 

وأضاف أن محققيه هددوه بإرساله إلى «جوانتانامو»، قبل أن يُحتجز لمدة عام ونصف داخل السجن، حيث تعرّض للضرب اليومي وسوء المعاملة. وقال: «كان الطعام شحيحًا. يسمحون لك بالذهاب إلى المرحاض مرة واحدة فقط، وأحيانًا لا يحتمل الإنسان فيقضي حاجته على نفسه».

 

وأشار إلى أن من بين جلاديه جنودًا إماراتيين وآخرين يمنيين، مؤكدًا تعرضه لاعتداءات جنسية، وتهديده بما وصفه بـ«الطبيب»، الذي قال إنه إماراتي وكان يشارك في الضرب ويأمر الآخرين بذلك. وأضاف: «حاولت الانتحار أكثر من مرة لينتهي كل شيء».

 

أمهات ينتظرن والعدالة غائبة

 

روت أم يمنية أن ابنها، وهو رياضي، اعتُقل وهو في سن المراهقة قبل تسع سنوات. قالت: «عاد لتوه من بطولة خارج البلاد، ذهب إلى النادي الرياضي، ولم يرجع». وأضافت أنها لم تسمع عنه سبعة أشهر، ثم سُمح لها بزيارته عشر دقائق فقط، شاهدت خلالها آثار التعذيب على جسده.

 

اتهمت الأم القائمين على السجن بتعذيب ابنها بالصعق الكهربائي، وسكب الماء المثلج عليه، والاعتداء الجنسي المتكرر. كما حضرت جلسة استُخدم فيها تسجيل صوتي لابنها وهو «يعترف»، وقالت: «يمكنك سماع صوت ضربه في الخلفية وهم يلقنونه ما يقول. ابني ليس إرهابيًا، لقد سرقوا أجمل سنوات عمره».

 

على مدى عقد، وثّقت منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش ووكالة أسوشيتد برس، اتهامات بالاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب في سجون تديرها الإمارات أو قوات متحالفة معها. وفي عام 2017، قالت هيومن رايتس ووتش إنها جمعت شهادات عن احتجاز أشخاص دون تهم أو رقابة قضائية، وتعريضهم للضرب والصعق الكهربائي. ونفت الإمارات هذه الاتهامات في حينه، كما لم ترد على طلب بي بي سي للتعليق على الوقائع الجديدة.

 

تأتي هذه التطورات في ظل تصدع التحالف بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والإمارات، بعد انسحاب القوات الإماراتية مطلع يناير 2026، وسيطرة قوات حكومية على مناطق واسعة في الجنوب. وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قرارًا بإغلاق جميع «السجون غير القانونية» والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القانون، بينما تخشى منظمات حقوقية أن يستمر الاحتجاز التعسفي بأشكال أخرى.

 

وقالت الأم في ختام حديثها: «الإرهابيون أحرار في الشوارع. أبناؤنا ليسوا إرهابيين».



https://www.bbc.com/news/articles/c3r117w55q4o